الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

115

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

خاص بالمشركين ، وأما المسلمون فقد استعاذ لهم منه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم حين نزل : قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ كما تقدم في سورة الأنعام [ 65 ] ، ومن العذاب عذاب الآخرة وهو جزاء الكفر والكبائر . وهذا الخطاب يأخذ كل فريق منه بنصيب ، فنصيب المشركين الإنابة إلى التوحيد واتّباع دين الإسلام ، ونصيب المؤمنين منه التوبة إذا أسرفوا على أنفسهم والإكثار من الحسنات وأما الإسلام فحاصل لهم . والنصر : الإعانة على الغلبة بحيث ينفلت المغلوب من غلبة قاهرة كرها على القاهر ولا نصير لأحد على اللّه . وأما الشفاعة لأهل الكبائر فليست من حقيقة النصر المنفي وهذه الفقرة أكثر حظ فيها هو حظ المشركين . [ 55 ] [ سورة الزمر ( 39 ) : آية 55 ] وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ( 55 ) أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ هو القرآن وهو معنى قوله : الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [ الزمر : 18 ] . والحظ للمشركين في هذه الآية لأن المسلمين قد اتّبعوا القرآن كما قال تعالى : فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ [ الزمر : 17 ، 18 ] . و أَحْسَنَ اسم تفضيل مستعمل في معنى كامل الحسن ، وليس في معنى تفضيل بعضه على بعض لأن جميع ما في القرآن حسن فهو من باب قوله تعالى : قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [ يوسف : 33 ] . وإضافة أَحْسَنَ إلى ما أُنْزِلَ من إضافة الصفة إلى الموصوف . والعذاب المذكور في هذه هو العذاب المذكور قبل بنوعيه وكله بغتة إذ لا يتقدمه إشعار ، فعذاب الدنيا يحلّ بغتة وعذاب الآخرة كذلك لأنه تظهر بوارقه عند البعث وقد أتاهم عذاب السيف يوم بدر ويأتيهم عذاب الآخرة يوم البعث . [ 56 - 58 ] [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 56 إلى 58 ] أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ( 56 ) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 57 ) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 58 )